الصّرصور الزُّمْبي
لقد بدأت معاناة عسبورة منذ أن سمع لأوّل مرّة صياح جهيزة فهرع إلى المطبخ، فإذا به صرصور من الحشرات . وجّه له ضربة راوغه الفرزيط فاصطدم راس عسبورة بالطاولة سبّه سبّا لو كان رجلا يقابله لاطلق عليه من جرّاه النار لكنه حشرة لا تفهم. تبسّمت جهيزة . فاشتعلت نار الحُقْرَة في قلبه فجعل يطارده بين القدور و الصحون و الطّناجر و اختلط الضجيج و صليل المواعين و هشيم البلّور بالسبّ و اللّعن و القهقهات حتى ظفر به و حاصره بين المنيّة و الانتحار فكرّ عليه الصرصور من اليأس كرّة قسورة لكن هيهات كان الهمام له بالمرصاد ففتك به فتكا و لسان حاله يردّد:''
و صرصور كرهت الفتاة نزاله... كرّ بمدفعين متسربلا متسنّم
جادت له يدايا بعاجل ضربة... ففقستُه بين شلاكة و متهدّم ''
ثمّ حمله من قرني الاستشعار و قرّبه من وجه عجيزة نافخا صدره مفتخرا بنصره يطلب منها تكريما على عمله البطولي. هربت إلى غرفة الاستقبال و اختبأت خلف الأريكة . لحقها و الصرصور يتأرجح بين السّبابة و الإبهام. أطلقت صيحة فزع و قفزت قفزة واحدة و أغلقت باب بيت النّوم . طرق فسمع ضحكاتها تتسلّل من ثقب القفل تهيّج نفسه . توسّل لتفتح فلم يُجْد نفعا . رغم أنّه هشّم رأس الحشرة إلّا أنّ الصرصور لازال يحرّك رجليه بين حين و آخر كأنّه زُومبيّ يُبعث من مرقده . شماتة فيها قام بتزليقه من تحت الباب برمية من سبّابته كرمي كجّة لمّا كان يصول في الحارات. فإذا الصرصور ينزلق على البلاط و يحرّك رجليه لقد بُعثت فيه الحياة من جديد فصار يدور حول نفسه في وسط الغرفة ورأسه يتدلّى يرسم دائرة مخاطيّة وهي تجري هاربة منه صائحة و تدور في مداره وهو في إثرها حتى كاد يغمى عليها من الفزع. ارتمت على الباب فانفتح و سقطت بين ذراعي عنتورة وتشبّتت به و خنقته . تقابلت الشفاه و النظرات و هوى الصرصور ومات و تبادلا القبلات و تعالت الآهات على عتبة العلاقات. ثمّ حمل عسبورة صرصوره ودفنه في ركن من الحديقة كما تستحقّ الزّعامات. وصار منذ آنئذ رجل المهمّات القذرة في البيت كلّما ظهر صرصور بدأت معه المعاناة صياح فنزال فملاحقات فتوسّلات فقبلات فعناق و آهات و علاقات . ثمّ يدفنان الصرصور في ركن الحديقة في موكب مهيب كما يليق به من الجنازات، حتّى امتلأ البيت بصراصير تناسخت أرواحها من الصرصور الاوّل و صار النّوم عندئذ من الكماليّات.
جمال الطرودي / تونس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق