الثلاثاء، 26 مارس 2019

حديقة الحكيم /كلمات الأديب /د. عبد الحليم هنداوي

حديقة الحكيم
    ٧ العطاء
بالصباح الباكر ذهب مريدي الحكيم الى حيث مقر الحكيم فلم يجدوه بمقره لكن احدهم لمحه من بعيد وهو وسط شجيرات الطماطم والباذنجان والخيار ويهلل ويحمد الله وهو يقطف تلك الثمرات المبللة بالندى ويضعها بسلة فى يده وبعد أن امتلأت السلة اتجه الى مريديه والقى عليهم السلام وقال لهم انظروا الى عطاء ربي من تلك الشجيرات نحمد الله على جميل عطائه فقام أحد الشباب وقال له كلمنا يا حكيم عن العطاء
فانتصب الحكيم وبدا متهلل الوجه سعيد
وقال بسم الله الرحمن الرحيم فأما من اعطى واتقى وصدق بالحسنى فإن الجنة هى المأوى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فإن الجحيم هى المأوى صدق الله العظيم
انظروا لجمال الآيات يا ابنائى لقد قدم المولى جل جلاله العطاء على التصديق والايمان لان العطاء اكبر برهان على هذا الإيمان ومضاد العطاء هو البخل والامساك وقد علمنا رسولنا الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ان الجنة لا يدخلها بخيل!!
فالنفس المؤمنة التقية النقية هى نفس معطائة فما الذى يدفعها للامساك وهى تؤمن بأن الله هو المانح المانع!
وهذا الموقف يا أبنائي يتجلى فى موقف سيدنا أبوبكر الصديق عندما أتى للرسول صلى الله عليه وسلم بماله كله فقال له ما ابقيت لأولادك قال له ابقيت لهم الله ورسوله!
هذا هو قمة الإيمان ان تعطى وانت واثق فى عطاء الله
والمال يا أبنائي سمير الروح فعندما تتغلب على حب نفسك القوى لهذا المال بأن تعطيه عن طيب خاطر فأنت تهذب وتتوقى شح نفسك!
أليس الخوف يا أبنائى من الفقر هو الفقر بعينه!
فبعض البشر يا ابنائي يخشى الفقر ويعيش فيه!
وبذات الوقت خزائنه ملئى بالمال وهو عليها حارس فهل رأيتم أبأس من رجل أعطاه الله وحرم هو نفسه!!!
والناس فى عطائهم يا ابنائى مذاهب فمنهم من يعطى القليل طلبا للشهرة ومنهم من يعطى طلبا للبركة ومنهم من يعطى القليل والكثير لوجه الله تعالى
والعطاء كله محمود يا ابنائى إلا الرياء
فان تبدوا الصدقات فنعما هى وان تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم
وقد اسمعك تقول انى اعطى فقط للمستحقين وغير المستحقين لا اعبأ بهم
فالحق اقول لك ان البقرة اقل عنصرية منك لأنها تمنحك حليبا سواء كنت محتاج او غير محتاج!
وايضا شجرة التفاح بحديقتك اقل عنصرية منك لأنها تعطيك ثمرتها سواء كنت شبعان او جوعان!
فالذى يأتيك بالمسألة هو بالحقيقة محتاج وان أمتلك العقارات والأراضين!
وقد عالج رسولنا الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم معلم البشرية هذه القضية بأن نعطى من يسألنا وإن أتانا ممتطيا حصانا!
وقد أنهى كتاب الله هذا الجدل وأما السائل فلا تنهر صدق الله العظيم
لماذا تنصب نفسك قيم على هذا الكون الكبير وانت فيه كحبة رمل بصحرائه!
وانت من انت كى تمنع هذا وتمنح ذاك!
ومن انت ايضا كى يقف الناس امامك ويمزقون ثياب حيائهم المستور كى تفضحه لتقرر هم فى حاجة لعطائك ام لا!
فالله الذى خلقهم لم يمنعهم وهم يعبدونه
ولن يمنعهم وهم يكفرون به!!!
والحق أخبرك ان المنة فى هذا الأمر لله أولا ثم للذى يأخذ منك جزأ من أعطيتك لأنه سوف يكون سببا لدخولك الجنة وأماط عنك صفتى الشح والبخل!!
انظر لهذا البائس الذى قطع يده او رجله كى يستعطف به قلبك القاسي الست معى
لو انك بداية تخليت عن شح نفسك وقساوة قلبك لما كنت سببا لدفعه لهذا المصير المؤلم!
وأنت يا من تملك الكثير من المال وتدعى الفقر وتتحمل شذف العيش وسوء المسألة بالله عليك هل اختلفت كثيرا عن الكلب الذى يجمع اللحوم والعظام ويطمرها بالرمال ويحرم نفسه منها خشية ان يأتي الشتاء ولا يجد شئ ثم يموت قبل ان يأتي الشتاء؟!
فقد أنهى الله عز وجل هذه الإشكالية فقال تعالى ولاتجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط صدق الله العظيم فالاسلام دين الوسطية والتعقل
جميل أن تعطى من يسألك والأجمل منه أن تعطى من لا يسألك وانت تعلم حاجته
لكن أراد أن لا يمزق الثوب الساتر لحيائه!
وقال فيهم المولى سبحانه الذين لا يسألون الناس الحافا صدق الله العظيم
فلتبحث عن هؤلاء وتجزل لهم العطاء حتى لا تكون سببا فى كشف حيائهم المستور!!
والعطاء دائما يا ابنائى مقرون بالمحبة والشفقة انظر لتلك السيدة التى أتت السيدة عائشة رضى الله عنها مع ابنة لها فقيره والسيدة عائشة لم تكن تملك سوى تمرة واحدة فاعطتها اياها والمرأة بدورها وضعتها بفيه ابنتها رغم أنها تعانى الجوع مثلها فالمحبة والشفقة هى من دفعتها لهذا الصنيع الذى جزائه الجنة
وهذا هو الرسول صلى الله عليه وسلم يضرب لنا اروع مثال للعطاء عندما اتاه الأعرابي يسأله ان يعطيه فأعطاه غنما كثيرة بين جبلين فقال الأعرابي ان محمد يعطى عطاء من لا يخشى الفقر كيف يخشى الفقر ايها الأعرابى وصلى الله عليه وسلم يعلم يقينا ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين
وأسوأ احساس يا ابنائى هو احساس الغنى الذى حرم صفة العطاء عندما يمد يده بالطريق ملئى بالخيرات ولا احد يقربها فان تكون محتاجا تمد يدك لتأخذ افضل بكثير من ان تكون خزائنك ملئى ولا يقربها احد وثمارك تتساقط من كثرتها ولا يأكلها أحد ومعينك ممتلئ بالمياه ولا يقربه عطشان وبالنهاية اما ان تتلاشى انت تحت التراب او يتلاشى هذا الماء مع اوقيانوس الحياة الكبير!!
وجميل يا ابنائى ان تعطى وانت بقمة  تواضعك فانظر لجذر النبات يعطى النبات كل شئ من غذاء وماء ولا نراه من شدة تواضعه وانطماره بالأرض!!
يا ابنائى كونوا مثل هذا الريحان الذى بالكاد تراه أعيننا لكن جميعنا من يراه ومن لا يراه يتمتع باريجه المنتشر بين التل والوادى!

واخيرا يا ابنائى تلك ثمرة من ثمار حديقتي أقدمها لكم على احد اطباق نفسي المشتاقة للعطاء دون ان تسألوني لأنى أعلم مدى حاجتكم لهذه الثمرة فى هذا الزمن الذى كثرت فيه الطرق والفتن
والمسالك الغير سوية فكلوا منها هنيئا مريئا من غير فضل منى ولا منة فالمنة لله وحده واهب هذه الحياة الجميلة.
د. عبدالحليم هنداوى من كتابي حديقة الحكيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق